محمد الشاهد يكتب : لا تنسوا عمر القاضي.. لا تنسوا من ضحوا لأجلكم

في ليلة كان من المفترض أن تكون مليئة بالفرحة والتكبيرات، كانت هناك ملحمة بطولية تُسطر بالدم، في قلب سيناء، على أرض لم تعرف يومًا للانكسار سبيلًا. كان النقيب عمر القاضي في موقعه، يؤدي واجبه، عيناه تراقبان المكان بحذر، وقلبه لا يعرف إلا الشجاعة. لم يكن يعلم أن هذا اليوم سيكون موعده مع الخلود، لكنه كان مستعدًا، كعادته، ليكون الدرع الذي يحمي الوطن.
عمر القاضي.. البداية لرجل عاش بطلًا
وُلِد الشهيد عمر القاضي في قرية ساقية المنقدي بمركز أشمون في محافظة المنوفية، ونشأ في أسرة بسيطة، تعلّم فيها معنى الرجولة والمسؤولية منذ الصغر. التحق بكلية الشرطة، وكان يحلم دائمًا بأن يكون في الصفوف الأمامية، حيث يُصنع التاريخ بدماء الأبطال. لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان مؤمنًا أن الدفاع عن الوطن رسالة مقدسة، وأن الشهادة شرف لا يناله إلا من يستحق.
كمين البطل 14.. المواجهة الأخيرة
في فجر يوم 5 يونيو 2019، تزامنًا مع أول أيام عيد الفطر، هاجمت عناصر إرهابية كمين “البطل 14” في العريش، ظنوا أنهم سيجدون جنودًا نائمين، لكنهم لم يعلموا أنهم يواجهون رجالًا أقسموا أن يحرسوا هذا الوطن حتى الرمق الأخير.
بدأت الاشتباكات، وكان عمر في قلب المعركة، يُطلق النار بشجاعة، يقاتل كأنه جيشٌ بمفرده. لم يكن وحده، كان معه زملاؤه، يقفون صفًا واحدًا، يردّون الهجوم بكل بسالة. سقط البعض شهداء، لكنه ظل صامدًا، يقاوم رغم إصابته، لم يفكر في الهروب، لم يطلب الرحمة، بل كان كل ما يشغل باله هو أن يستمر في القتال حتى النهاية.
حين أدرك أن الأعداء يحيطون به، وأن ذخيرته أوشكت على النفاد، أرسل آخر رسائله عبر جهاز اللاسلكي:
“أنا بيضرب عليا RPG.. دُك الكمين يا سمير.. غربل الكمين!”
لم يكن يستسلم، بل كان يطالب بالدعم، كان يريد أن يموت مقاتلًا، لا مستسلمًا. حتى بعدما أصيب بثلاث طلقات قاتلة، لم ينهزم، بل قال بصوت مُتعب لكنه لا يزال مملوءًا بالعزيمة:
“يا جدعان، قُولوا لأمي ابنك مات راجل.. خلي بالكوا منها.. متنسونيش وادعولي، ربنا يسامحني.. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.”
ثم سكن صوته.. لكنه لم يمت، بل خُلِّد في ذاكرة الوطن.
لم يكن مجرد بطل.. بل كان أسطورة
لم يكن عمر القاضي مجرد شهيد سقط في معركة، بل كان رمزًا للبطولة والتضحية، رجلًا واجه الموت بابتسامة وعيون لا تعرف الخوف. كان يعرف أنه قد لا يعود، لكنه لم يتردد لحظة في أداء واجبه.
واليوم، بعد سنوات من رحيله، لا تزال ذكراه خالدة، لا يزال اسمه محفورًا في قلوب المصريين، لا تزال كلماته تتردد كأنها رسالة لكل من يحمل السلاح دفاعًا عن هذا الوطن.
لا تنسوا عمر القاضي.. لا تنسوا من ماتوا لتحيوا أنتم.
هم السابقون، ونحن على العهد باقون، نمضي في طريقهم، نحمل رسالتهم، ونعاهد الله والوطن أن تظل أرواحهم نورًا يضيء سماء مصر.
المجد للشهداء.. والعزة لمصر.