الخميس 03 أبريل 2025

السفير مصطفى الشربيني يكتب : إشكالية إزالة الكربون من المسطحات المائية في سياق تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC

السفير مصطفي الشربيني
السفير مصطفي الشربيني

 

يشكل تغير المناخ أحد أبرز التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين حيث تسعى الدول والمنظمات الدولية إلى تطوير استراتيجيات للحد من انبعاثات غازات الدفيئة وإيجاد حلول تقنية لامتصاص الكربون من الغلاف الجوي ومن بين هذه التقنيات تبرز مسألة إزالة ثاني أكسيد الكربون من المسطحات المائية والتي أُثيرت خلال الدورة الثانية والستين للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ كموضوع مثير للجدل بين الدول المتقدمة والنامية والعلماء وصناع السياسات إذ تتراوح وجهات النظر بين من يرى أن هذه التقنية تمثل وسيلة ضرورية لتحقيق أهداف الحياد الكربوني ومن يحذر من تداعياتها البيئية غير المدروسة على المدى البعيد

إن إزالة ثاني أكسيد الكربون من المياه تنطوي على مجموعة من الأساليب التي تهدف إلى امتصاص هذا الغاز إما بشكل مباشر من المحيطات والبحار أو من خلال تعزيز امتصاصه الطبيعي عبر عمليات بيولوجية أو كيميائية حيث تشمل هذه التقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون باستخدام محاليل قلوية تعمل على زيادة امتصاصه من الغلاف الجوي وتحويله إلى مركبات مستقرة أو عن طريق تحفيز نمو العوالق النباتية التي تقوم بامتصاص الكربون من المياه وتحويله إلى مواد عضوية تدخل في السلسلة الغذائية البحرية أو تترسب في أعماق المحيطات ولكن على الرغم من هذه الفوائد المحتملة إلا أن العديد من العلماء والمنظمات البيئية يبدون قلقهم من التأثيرات الجانبية لهذه التقنيات على النظم البيئية البحرية ومدى فعاليتها الفعلية في خفض تركيزات ثاني أكسيد الكربون على نطاق واسع

وفي إطار المناقشات التي جرت خلال الدورة الثانية والستين للهيئة في مدينة هانغتشو بالصين في الفترة من الرابع والعشرين من فبراير إلى الأول من مارس لعام ألفين وخمسة وعشرين ، فقد تمحورت الخلافات حول مدى جاهزية هذه التقنيات للتطبيق العملي إذ أشار ممثلو بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية إلى أهمية عدم استبعاد أي تقنية يمكن أن تساهم في تحقيق الحياد الكربوني مؤكدين على ضرورة تضمين إزالة الكربون من المسطحات المائية في تقارير الهيئة وتوفير منهجيات واضحة لقياس انبعاثاتها وتقييم جدواها بينما عبرت دول أخرى مثل ألمانيا وبلجيكا وفرنسا عن تحفظها بشأن هذه التقنيات معتبرة أنها لا تزال غير ناضجة علمياً وقد يكون لها آثار بيئية غير محمودة مثل زيادة حموضة المحيطات أو التأثير على النظم البيئية البحرية الهشة كما أبدت بعض الدول النامية قلقها بشأن إمكانية سيطرة الدول المتقدمة على هذه التقنيات واحتكارها دون مراعاة مصالح الدول التي تعتمد على النظم البحرية كمصدر أساسي للغذاء والاقتصاد

وقد كان أحد الجوانب التي زادت من تعقيد النقاش هو غياب بيانات كافية حول التأثيرات طويلة المدى لهذه التقنيات حيث أشار عدد من الباحثين إلى أن إزالة ثاني أكسيد الكربون من المياه ليست مجرد عملية فيزيائية بل إنها تؤثر على التوازن البيئي للمحيطات وقد تؤدي إلى تغيرات في السلسلة الغذائية البحرية إذ أن تعزيز امتصاص الكربون في بعض المناطق قد يؤدي إلى نقص المغذيات في مناطق أخرى مما يؤثر على التنوع البيولوجي وقد اقترح بعض العلماء الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الميدانية والتجارب واسعة النطاق قبل اتخاذ أي قرار بشأن اعتماد هذه التقنيات كجزء من استراتيجيات تخفيض الكربون العالمية

وبناءً على هذه الخلافات فقد تقرر تأجيل اتخاذ أي قرارات حاسمة بشأن إدراج إزالة الكربون من المياه في تقارير الهيئة إلى الدورة الثالثة والستين حيث ستتم مناقشة الموضوع بناءً على مزيد من الدراسات العلمية والاستشارات التقنية مع تأكيد بعض الدول على ضرورة تحديد معايير واضحة لقياس الفعالية البيئية لهذه التقنيات وتقييم آثارها المحتملة بشكل شامل ومن جهة أخرى فإن هذا التأجيل يعكس حرص الهيئة على تجنب التسرع في تبني حلول قد تكون غير مستدامة أو ذات آثار سلبية غير متوقعة كما أنه يعكس التحديات التي تواجهها الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ في ظل الحاجة إلى تحقيق توازن بين الابتكار التكنولوجي والحفاظ على استدامة النظم البيئية

ومع استمرار النقاشات حول هذه القضية فمن المرجح أن تستمر الأبحاث العلمية في تقييم إمكانيات إزالة الكربون من المسطحات المائية حيث سيتطلب أي تقدم في هذا المجال تعاوناً بين العلماء وصناع السياسات لضمان تطوير تقنيات آمنة وفعالة ومتوافقة مع الأهداف البيئية العالمية ولا شك أن الجلسات المقبلة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ستظل منصة رئيسية لمناقشة مستقبل هذه التقنيات في إطار الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ.